À propos de la leçon
جنةُ الأرضِ
أنا مُسْتَلْقٍ على صَخْرَةٍ بَيْضاءَ، فيها نَواتِئٌ مُسَنَّنَةٌ كَالْحِرابِ، مِنْ وَرائي صُخورٌ تَتَعالى إلى السَّماءِ وتَطْرَحُ عَلَيَّ سِتْراً مِنَ اُلظِّلِّ ناعِماً كًالْمَحَبَّةِ. بَيْني وبَيْنَ تِلك الصُّخورِ قَناةٌ تَتَسابَقُ مِنْها قَطَراتُ اُلْماءِ مُتَهامِسَةً فَوْقَ اُلْحَصَى وبَيْنَ اُلْأَعْشابِ، مُتَهَلِّلَةً عِندَ اُنْحِدارِها مِنْ أَعْلى، وأَشْعُرُ بِمَرِّ أَنْفاسِها على وَجْهي.
فَوْقَ رَأْسي سَماءٌ كَيْفَما قَلَّبْتُ طَرْفي، هي زَرْقاءٌ زَرْقاءُ، وبَعيدَةٌ بَعيدَةٌ. أنا أَعْرِفُ أَنَّ تِلْكَ النُّقْطَةَ الْغَبْراءَ فيها لَيست غُباراً ولا دُخّاناً بَلْ هي نَسْرٌ أَسْبَلَ جَناحَيْهِ الْقَوِيَّيْنِ وراحَ يَدورُ في الْفَضاءِ مُحَدِّقاً بِاُلْأَرْضِ باحِثاً فيها عَنْ فَريسَةٍ يَجْعَلُها عَشاءَ لَيْلَتِهِ أَوْ عَشاءَ صِغارِهِ.
عَنْ يَميني مَرْجَةٌ خَضْراءُ، وعلى بِساطِها اُلْأَخْضَرِ قَدْ تَمَدَّدَتْ بَقَرَةٌ سَمْراءُ حَلوبٌ. تَبارَكَ الله ما أَكْبَرَ دَرَّها! هي ناعِمَةُ اُلْبالِ مُطْمَئِنَّةُ اُلْقَلْبِ، وما هَمُّها واُلْمَرْعى خِصْبٌ واُلْمَوْرِدُ عَذْبٌ واُبْنَتُها بِجَنْبِها تَجْتَرُّ فَتُغْمِضُ عَيْنَيْها على مَهْلٍ ثُم تَفْتَحْهُما على مَهْلٍ، وبَيْنَ اُلْآوِنَةِ واُلْأُخْرى تَطْرُدُ اُلْبُرْغُشَ عَنْ وَجْهِها، تارَةً بِأُذُنِها الْيُمْنى وطَوْراً بِالْيُسْرى، أَسْمَعُ كَيْفَ تَطْحَنُ اُلْجَرَّةَ بَيْنَ فَكَّيْها فَأْشَتهي لو كان لي ما أَعْلِكُهُ مِثْلَها.
عِنْدَ أَسْفَلِ اُلشَّجَرَةِ، حَيْثُ أنا، بَلّوطَةٌ كَبيرَةٌ مُنْبَسِطَةُ اُلْفُروعِ وَاُلْأَغْصانِ، بَيْنَ أَوراقِها أَجْواقٌ مِنَ اُلْعَصافيرِ تُرَفْرِفُ مِنْ غُصْنٍ إلى غُصْنٍ وقَدْ عَلَتْ زَقْزَقَتُها حتّى كَأَنّها في عُرْسٍ أَوْ مِهْرَجانٍ مِنَ اُلْأَلْحانِ، لقد زارَتِ اُلْحَقْلَ في نَهارِها فَفَرَشَ اُلْحَقْلُ أَمامَها خَيْراتِهِ، وقَصَدَتِ النَّبْعَ فَرَواها النَّبْعُ بِقَطَراتِهِ، واسْتَدْفَأَتِ الشَّمْسَ فَغَمَرَتْها الشَّمْسُ بِأَنْوارِها.
كان اُلرَّيعُ فَيَنَعَتْ أَعْشاشُها. وباضَتْ وَأَنْمَتْ فِراخُها، وجاءَ الصَّيفُ ولم يَبْقَ لها مِنْ هَمٍّ سِوى اُلصَّيدِ وَمِنْ تَسْلِيَّةٍ سِوى اُلتَّغْريدِ، وَاُلصَّيْدُ وافِرٌ فَعلامَ لا تُغَرِّدُ؟
ميخائيل نعيمة
